الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
124
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وأما نسبة السد الفاصل بين الصين وبين بلاد يأجوج وماجوج إليه في كلام بعض المؤرخين فهو ناشئ عن شهرة الإسكندر ، فتوهم القصاصون أن ذلك السد لا يكون إلّا من بنائه ، كما توهم العرب أن مدينة تدمر بناها سليمان عليه السلام . وأيضا فإن هيرودوتس اليوناني المؤرخ ذكر أن الإسكندر حارب أمة ( سكيثوس ) . وهذا الاسم هو اسم ماجوج كما سيأتي قريبا « 1 » . وأحسب أن لتركيب القصة المذكورة في هذه السورة على اسم إسكندر المقدوني أثرا في اشتهار نسبة السد إليه . وذلك من أوهام المؤرخين في الإسلام . ولا يعرف أن مملكة إسكندر كانت تبلغ في الغرب إلى عين حمئة ، وفي الشرق إلى قوم مجهولين عراة أو عديمي المساكن ، ولا أن أمته كانت تلقبه بذي القرنين . وإنما انتحل هذا اللقب له لما توهموا أنه المعنيّ بذي القرنين في هذه الآية ، فمنحه هذا اللقب من مخترعات مؤرخي المسلمين ، وليس رسم وجهه على النقود بقرنين مما شأنه أن يلقب به . وأيضا فالإسكندر كانت أخباره مشهورة لأنه حارب الفرس والقبط وهما أمّتان مجاورتان للأمة العربية . ومثل هذه المبطلات التي ذكرناها تتأتى لإبطال أن يكون الملك المتحدث عنه هو أفريدون ، فإما أن يكون من تبابعة حمير فقد يجوز أن يكون في عصر متوغل في القدم . وقد توهم بعض المفسرين أنه كان معاصرا إبراهيم عليه السلام وكانت بلاده التي فتحها مجهولة المواقع . ولكن يبعد أن يكون هو المراد لأن العرب لا يعرفون من خبره مثل هذا ، وقد ظهر من أقوالهم أنّ سبب هذا التوهم هو وجود كلمة ( ذو ) التي اشتهر وجود مثلها في ألقاب ملوك اليمن وتبابعته . فالذي يظهر لي أن ذا القرنين كان ملكا من ملوك الصين لوجوه : أحدها : أن بلاد الصين اشتهر أهلها منذ القدم بأنهم أهل تدبير وصنائع . الثاني : أن معظم ملوكهم كانوا أهل عدل وتدبير للمملكة . الثالث : أن من سماتهم تطويل شعر رؤوسهم وجعلها في ضفيرتين فيظهر وجه تعريفه بذي القرنين .
--> ( 1 ) انظر القاموس الجديد تأليف لاروس في مادة سكيتس .